أكثر تعليماً وتأهيلاً.. بروفايل مختلف للمهاجرين الجدد

أخبار إسبانيا /
يشير تقرير حديث إلى أن المهاجرين الذين وصلوا إلى إسبانيا في السنوات الأخيرة يمثلون بروفايل جديد مقارنة بمن وصلوا في عقود سابقة. فهم يتمتعون بمستوى أكاديمي أعلى، ويخطط الكثير منهم لمواصلة تعليمهم. و وفقاً لتقرير صادر عن بنك إسبانيا، فإن أربعة من أصل كل عشرة أجانب وصلوا حديثاً إلى البلاد يحملون شهادات عليا، وهو ما يقارب الضعف مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 15 سنة.
من جانبها, تشير دراسة جديدة لجامعة بومبيو فابرا ببرشلونة, إلى أن خصائص المهاجرين قد تغيّرت “بما يتجاوز العمر والمنشأ”. وتوضح الدراسة أن المهاجرين الحاليين هم أكثر شباباً و أكثر تأهيلاً، ويهدفون إلى تطوير مساراتهم المهنية والتعليمية.
وفي الواقع، غالبية المهاجرين الذين يصلون إلى إسبانيا ليسوا فقط متعلمين جيداً، بل يشغلون غالباً وظائف لا تتناسب و مؤهلاتهم التعليمية العالية، و ذلك وفق تقرير أعده بنك إسبانيا بعنوان “توصيف تدفقات الهجرة إلى إسبانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى”. ويظهر التقرير، الذي يعتمد على بيانات 2022، أن 43% من الأجانب المقيمين حديثاً في إسبانيا يحملون شهادات عليا (جامعية أو دورة عليا في التعليم المهني). أما بين غير المنتمين للاتحاد الأوروبي، فبلغت هذه النسبة 40%.

ويُظهر التقرير زيادة مستمرة منذ 2008، عندما كانت نسبة المهاجرين المؤهلين تقارب 20% فقط. ويرتبط هذا الارتفاع بانخفاض عدد الوافدين من ذوي المستوى التعليمي المنخفض, أقل من مستوى الثانوية, حيث تراجعت نسبتهم من 45% إلى 30%. كما انخفض عدد المهاجرين ذوي التعليم المتوسط من 34% في 2008 إلى 27% في 2022.
ويخلص التقرير إلى أن إسبانيا من بين الدول التي يسجل فيها الوافدون الجدد مستوى تعليمي متوسط مرتفع مقارنة بالدول الأخرى. فبين الدول المشمولة في التقرير، تسجل فرنسا نسبة أعلى تصل إلى 46%، بينما تقف إيطاليا عند 14% وألمانيا عند 38%. وتجدر الإشارة إلى أن إيطاليا تستقبل أكبر عدد من المهاجرين ذوي المستوى التعليمي المنخفض، حيث أن نصف الوافدين الجدد لا يمتلكون شهادة الثانوية.
إقرأ أيضا
ويتميز التقرير بتقسيم المهاجرين بين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي وغيرهم من خارج الاتحاد. فالمهاجرون القادمون من داخل الاتحاد غالباً ما يكونون أكثر تأهيلاً أكاديمياً من غيرهم, حيث أكثر من نصفهم يحملون شهادات عليا.
وتنعكس هذه الأرقام على سوق العمل بشكل واضح. ففي 2022، كان نحو 35% من الإسبان الحاصلين على شهادات عليا يعملون في وظائف لا تتطلب هذا المستوى التعليمي، بينما تصل هذه النسبة إلى 51% بالنسبة للمهاجرين. ويظهر التقرير أن نسب العمل فوق المستوى التعليمي هذه تقارن فقط بإيطاليا، حيث تصل إلى 52%. ومع ذلك، يشير التقرير إلى وجود “مؤشرات انتقال نحو قطاعات تتطلب تأهيلاً أعلى”.
أوروبا و المهاجرين المؤهلين
تشير بيانات من البنك المركزي الأوروبي إلى أن العمال الأجانب كانوا من العوامل الرئيسية في نمو الاقتصادات بمنطقة اليورو منذ جائحة كوفيد‑19، حيث ساهموا بشكل كبير في توسيع قوة العمل وتخفيف نقص اليد العاملة. وقد ساعد ارتفاع مستوى التعليم بين هؤلاء العمال على تولي وظائف أكثر تأهيلاً، مما يتيح للاقتصادات الأوروبية مواجهة تحديات الشيخوخة السكانية وانخفاض معدلات الولادة في عدد من الدول الكبرى.
و في ألمانيا، على سبيل المثال، يُظهر تقرير حديث أن نسبة المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي الحاصلين على شهادة جامعية قد ارتفعت إلى 32.1% في 2024، وهو مؤشر على استمرار جذب العمال ذوي المؤهلات العالية. كما ارتفعت نسبتهم ضمن مواطني الاتحاد الأوروبي أيضاً، ما يعكس اتجاهاً عاماً نحو مزيد من التعليم العالي بين القوى العاملة المهاجرة.
على صعيد أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، تلعب سياسات مثل تصاريح العمل عالية المهارة “البطاقة الزرقاء” دوراً مهماً في جعل سوق العمل الأوروبي أكثر جذباً للمواهب المؤهلة من خارج الاتحاد، مما يدعم الابتكار والنمو في قطاعات عالية القيمة. هذه السياسات تسمح للدول الأعضاء بجذب الأشخاص ذوي المهارات العالية الذين يمكنهم تقديم مساهمات أكبر في الابتكار والإنتاجية.
آراء المختصين
وفي تعليق على هذا الاتجاه الاقتصادي، يؤكد كريستيان دوستمان، الخبير في اقتصاد الهجرة، أن وجود المهاجرين في سوق العمل لا يقلّل من فرص العمل للمواطنين، بل يساهم في توسيع نطاق الإنتاج والابتكار في الدول الأوروبية، حيث يخلق المهاجرون ذوو المهارات العالية فرصاً جديدة في قطاعات تتطلب كفاءات متقدمة ويعززون النمو الاقتصادي على المدى الطويل، خاصة في الدول التي تواجه نقصاً حاداً في القوى العاملة الماهرة.
إقرأ أيضا
كما ترى رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاجارد، أن الهجرة لعبت دوراً محورياً في دعم تعافٍ اقتصادي قوي بعد جائحة كوفيد‑19، مشيرة إلى أن زيادة عدد العمال الأجانب كان لها أثر إيجابي على نمو الناتج المحلي الإجمالي في دول مثل ألمانيا وإسبانيا، ولو لم يكن لذلك المساهمة لكان الناتج الاقتصادي في العديد من هذه الدول أقل بكثير، مما يؤكد أهمية الاستفادة من المهارات المتقدمة للمهاجرين في مواجهة تحديات الشيخوخة السكانية ونقص اليد العاملة.
من جهته، يشير جيوفاني بيري، الباحث في دراسة الهجرة والاقتصاد في أوروبا، إلى أن المهاجرين ذوي التعليم العالي يساعدون في دفع العمال المحليين نحو وظائف أكثر تعقيداً، مما يؤدي إلى تحسن في أجور القوى العاملة وزيادة الإنتاجية، ويضيف أن تأثير التعليم العالي للمهاجرين يمكن أن يخلق أثراً إيجابياً في العلاقات التجارية الدولية ويزيد من صادرات الدول المستقبِلة بفضل الشبكات الاقتصادية التي يبنونها بين دول المنشأ ودول المقصد.





