التراث الإسلامي في إسبانيا: جمال معماري وإيرادات سياحية كبيرة

أخبار إسبانيا / تقرير خاص
تُعدُّ إسبانيا واحدة من أغنى دول أوروبا من حيث التراث الحضاري، خاصةً التراث الإسلامي الناتج عن أكثر من سبعة قرون من الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية. هذا الإرث لا يقتصر على قيمته التاريخية والفنية فحسب، بل يمتد ليشكل قطب جذب عالمي للسياح ويتكامل كعامل اقتصادي قوي في قطاع السياحة. يستعرض هذا التقرير أهم المعالم الإسلامية في إسبانيا، مع معلومات تاريخية عن بنائها وطبيعة فنّها الإسلامي، بالإضافة إلى أعداد الزوار والآثار الاقتصادية المرتبطة بها.
قصر الحمراء بغرناطة: تحفة الفن الإسلامي

قصرُ الحمراء هو قصرٌ أَثري وحصن وأحد أهم صروح العمارة الإسلامية المسلوبة في الأندلس. شَيَّده مؤسس دولة بني الأحمر «الغالب باللَّه» أبي عبد الله محمد الأول محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن نصر بن الأحمر بين 1238-1273 في مملكة غرناطة خِلالَ النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي. يعد الآن من أهم المعالم السياحية بأسبانيا ويقع على بعد 267 ميلًا (430 كيلومتر) جنوب مدريد. تعود بداية تشييد قصرِ الحمراء إلى القرن الرابع الهجري، الموافق للقرن العاشر الميلادي، وترجع بعض أجزائه إلى القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي. وقد استغرق بناؤه أكثر من 150 سنة.
من سِمات العمارة الإسلامية الواضحة في أبنية القصر؛ استخدام العناصر الزُخرفية الرقيقة في تنظيمات هندسية كزخارف السجاد، وكتابة الآيات القرآنية والأدعية، بل حتى بعض المدائح والأوصاف من نظم الشعراء كابن زمرك، وتحيط بها زخارف من الجص الملون الذي يكسو الجدران، وبلاطات القيشاني الملون ذات النقوش الهندسية، التي تغطي الأجزاء السفلى من الجدران.
في سنة 2007، اُخْتِيرَ قصرُ الحمراء ضِمن قائمة كنوز إسبانيا الإثنى عشر في استفتاءٍ صوّت فيه أكثر من تسعة آلاف شخص.
إقرا أيضا
تُظهر العديد من الإحصائيات أن الحمراء تُعدُّ من أبرز المعالم زيارة في إسبانيا والعالم. ففي عام 2023، استقبل الموقع أكثر من 2.6 مليون زائر، مما يعكس مكانته كأحد أهم المحطات السياحية في البلاد.
يمثل الحمراء والدور المحيطة به محركًا رئيسيًا للاقتصاد المحلي في غرناطة، وذلك ليس فقط من خلال مبيعات تذاكر الدخول التي تدرُّ عشرات الملايين من اليوروهات سنويًا، بل أيضًا عبر المصروفات السياحية في الإقامة والمطاعم والنقل داخل المدينة.
مسجد‑كاتدرائية قرطبة: عبق التاريخ الإسلامي والمسيحي المهجن

يُعدُّ مسجد‑كاتدرائية قرطبة واحدًا من أعظم الآثار الإسلامية في الغرب الإسلامي، ويُعتبر أحد أبرز معالم التراث العالمي. تم بناء المسجد في الأصل في نهاية القرن 8 الميلادي بأمر من الخليفة الأموي عبد الرحمن الأول، ما جعله مركزًا دينيًا وسياسيًا وثقافيًا هامًا في الأندلس.
شهد البناء توسعات متعددة على مرّ القرون، حتى أصبح أحد أكبر المساجد في العالم الإسلامي في ذلك الزمان. بعد فتحها من قبل الملك المسيحي فرناندو الثالث عام 1236، تم تحويل المسجد إلى كاتدرائية، وهو ما منح المكان طابعًا هندسيًا فريدًا يجمع بين العناصر الإسلامية مثل الأقواس الحنفيّة والأعمدة المتعددة، وبين الإضافات المسيحية من طرز معمارية مختلفة.
تُظهر البيانات الرسمية أن مسجد‑كاتدرائية قرطبة حقّق 2,186,774 زيارة في عام 2024، وهو رقم يضعه في طليعة المعالم الأكثر زيارة على الإطلاق.
هذه الزيادة في الزوار تجسد الاهتمام العالمي بالتراث الإسلامي الأندلسي، ويُعدُّ الموقع محركًا هامًا للسياحة الثقافية، ما ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد المحلي عبر جذب السياح الذين ينفقون في الفنادق، والمطاعم، والأنشطة المرتبطة بالزيارة مبالغ مالية مهمة تساهم بشكل كبير في تحريك دواليب الاقتصاد المحلي.
مدينة الزهراء الأثرية: جولة في قلب حضارة قرطبة

تقع مدينة الزهراء الأثرية على أطراف مدينة قرطبة، وهي موقع كان يُمثّل مركز السلطة في العصر الأموي في الأندلس. بدأ بناء المدينة عام 936 ميلادي بأمر من الخليفة عبد الرحمن الثالث، وكانت تُستخدم كعاصمة للإمبراطورية ومسكن للخلافة وعائلتها.
تتميز المدينة بما تبقى من آثارها، من أعمدة، وأرضيات من الرخام، وزخارف معمارية كانت تعكس روعة العمارة الإسلامية في فترة ازدهارها. تستقبل الزهراء مئات الآلاف من الزوار سنويًا ضمن مسار الرحلات التاريخية في الأندلس، ما يجعلها جزءًا هامًّا من قطاع السياحة الثقافية في المنطقة.
على الرغم من أنها ليست بنفس شهرة الحمراء أو مسجد‑كاتدرائية قرطبة، إلا أن الزهراء تُقدّم تجربة متعمقة في التاريخ الإسلامي للحضارة الأندلسية، وتساهم في جذب السياح الذين يسعون لاستكشاف العمق التاريخي وراء قصص الحضارة الإسلامية في شبه الجزيرة الايبيرية.
الجامع الكبير والقصبة الملكية في أشبيلية: إرث إسلامي في قلب مدينة أوروبية

على الرغم من أن الجامع الكبير في أشبيلية لم يحتفظ به بنفس الحالة التي كانت عليها في العصور الإسلامية الأولى، إلا أن الجزء الأساسي منه، برج «الغيرالدا»، يتمتع بجزء كبير من الهيكل الإسلامي الأصلي الذي شُيّد في القرن 12 كمنارة للمسجد الرئيسي في المدينة.
يُعدُّ هذا البرج اليوم جزءًا من الكاتدرائية، لكن تصميمه وزخارفه لا يزالان مثالاً على فن العمارة الأندلسية الإسلامية التي أثرت في أوروبا. كما أن القصبة الملكية، رغم إضافاتها المسيحية، تحتوي على قاعات وحدائق تم تنفيذها بأسلوب يعكس التأثير الإسلامي، ما يجعلها إحدى الوجهات الرئيسية في المدينة.
تشكل هذه الآثار مجتمعة أحد الأسباب وراء تصنيف أشبيلية كواحدة من أكثر المدن الإسبانية جذبًا للسياح الباحثين عن التراث التاريخي والثقافي، ويُعدُّ وجود مثل هذه المواقع عاملاً مساعدًا في تعزيز قطاع السياحة المحلي وإيراداته.
قلعة مالقة: تحصينات ومسارات تاريخية

تُعدُّ قلعة ألكاثابا في مالقة مثالًا رائعًا على التحصينات العسكرية الإسلامية في جنوب إسبانيا، وقد بُنيت أساسًا بين القرن 11 والثالث عشر لتعزيز دفاعات المدينة.
تقع القلعة فوق تلة تطلُّ على المدينة والبحر، وتوفّر إطلالات بانورامية رائعة، كما تضم بقايا تحف فنية وأقواسًا حجرية تذكّر بزمن الحكم الإسلامي. خلال السنوات الحديثة استقبلت القلعة أكثر من 1,195,000 زائر سنويًا ضمن مجمل أعداد الزوار للأماكن التاريخية في مالقة، مما يعكس أهميتها في السياحة الثقافية المحلية.
إقرأ أيضا
في السنوات الأخيرة، تم اعتماد زيادات في رسوم الدخول للمواقع التاريخية في المنطقة، بهدف تحقيق عائدات مالية أكبر تُستخدم في صيانة التراث وتحسين البنى التحتية للسياح، ما أسهم في زيادة الدخل المحلي بشكل مباشر.
المساجد الصغيرة والمعالم الإسلامية الأخرى المنتشرة
تشهد إسبانيا تدفقًا هائلًا للسياح الدوليين كل عام، حيث بلغ عدد الزائرين حوالي 94 مليون سائح في عام 2024، مُحققًا عائدات اقتصادية تتجاوز 126 مليار يورو من إجمالي الإنفاق السياحي.
المعالم الإسلامية الكبرى مثل الحمراء ومسجد‑كاتدرائية قرطبة تساهم بشكل كبير في هذا الرقم من خلال بيع التذاكر، الجولات الإرشادية، وعمليات الشراء ذات الصلة. علاوة على ذلك، فإن الزوار الذين يقصدون هذه المواقع غالبًا ما يُكمِّلون زيارتهم بالبقاء في الفنادق المحلية، وتناول الطعام في المطاعم، واستخدام وسائل النقل، ما يعزز من قيمة الإنفاق الاقتصادي في المدن المستضيفة لهذه المعالم.
تُبرز المعالم الإسلامية في إسبانيا ثروة حضارية لا تضاهى، تجمع بين تاريخ عريق وفن معماري مذهل، وتُعدُّ من أهم عوامل الجذب السياحي في البلاد. من الحمراء في غرناطة، إلى مسجد‑كاتدرائية قرطبة، إلى مدينة الزهراء التاريخية، وصولًا إلى التحصينات والقلاع، تُظهر هذه المواقع كيف يمكن للتراث التاريخي أن يصبح عنصرًا فاعلًا في تنمية السياحة والاقتصاد، وجسرًا ثقافيًا يجمع بين الماضي والحاضر.





