مدن الملح.. حين يشرح أدب عبد الرحمن منيف”منطق الحروب”

بقلم: الاء بن مالك
كلما ارتفعت سحابة توتر جديدة في سماء الخليج، وهرع العالم لترقب صدام محتمل بين مثلث (واشنطن – تل أبيب) وطهران، تبرز التحليلات السياسية “المعلّبة” التي تقرأ المشهد بوصفه وليد اللحظة الطارئة. غير أن القراءة العميقة لا تحتاج لخبراء استراتيجيين بقدر ما تحتاج للعودة إلى عبقرية الراحل عبد الرحمن منيف؛ وتحديداً إلى خماسيته “مدن الملح”، التي لم تكن مجرد أدب، بل كانت “نبوءة سوسيولوجية استشرافية” تشرح بنية الحروب قبل وقوعها.
منيف لم يكتب عن رادارات أو صواريخ باليستية، لكنه وضع يده على “الخطيئة الأولى”: لحظة اكتشاف النفط. تلك اللحظة التي نقلت المنطقة قسراً من هامش العالم إلى قلبه المتفجر، وحولتها من اقتصاد بسيط إلى شبكة معقدة من المصالح الدولية. مع هذه الطفرة، لم تدخل الرفاهية وحدها، بل دخل معها نظام “الارتهان”؛ حيث أصبحت الأرض ساحة لتوازنات كبرى، وأصبح الأمن سلعة تُستورد مقابل الموارد.
في هذا السياق، لم يعد الوجود العسكري الأجنبي في منطقتنا مجرد “اتفاقيات عابرة”، بل تحول إلى جزء عضوي من بنية “مدن الملح” نفسها. إن حماية الموارد الاستراتيجية استدعت -بمنطق القوة- بناء ثكنات وقواعد تحولت مع الوقت إلى نقاط ارتكاز في نظام جيوسياسي عالمي، تتقاطع فيه المصالح وتتصادم فيه الإرادات.
لكن منيف، بذكاء الروائي، لمح خلف بريق هذه المدن “هشاشة” كامنة. فالمدن التي تنمو في غرف التبريد وتُشيّد في زمن قياسي، لا تملك دائماً رفاهية “الجذور”. وهنا تصفعنا حكمة ابن حزم الأندلسي: “أسرع الأشياء نمواً أسرعها زوالاً”. ليس هذا حكماً قدرياً بالانهيار، بل هو تنبيه فلسفي إلى أن النمو الذي لا يتكئ على تراكم تاريخي واجتماعي صلب، يظل رهينة لأول هزة عنيفة في ميزان القوى.
اليوم، ونحن نراقب التجاذب مع إيران، ندرك أن الصراع ليس مجرد خلاف حدودي أو نووي، بل هو محاولة لكسر “المعادلة الذهبية” التي حكمت المنطقة لعقود: (النفط مقابل الحماية). إيران اليوم تحاول تعديل هذه القواعد، بينما يحاول النظام الدولي القديم الحفاظ على “توازن الملح” بله السيطرة على جغرافيته.
في زمن الأخبار العاجلة، يظل منيف يهمس لنا من بين سطوره: “لا تحللوا الحروب بفوهات المدافع، بل حللوها بمنطق البناء الذي أنتجها”. إن “مدن الملح” تذكرنا بأن فهم الحاضر يمر حتماً عبر فهم تلك اللحظة التي خرج فيها الذهب الأسود من باطن الأرض، ليحمل معه بريق الثروة.. ودخان الحروب المؤجلة التي تغلف بنبوؤات دينية تحت اسم المخلص.



