جاليات

“PRUNE” قصة حزب إسلامي أثارت الفضول و الجدل في إسبانيا

أخبار إسبانيا /

مع تزايد أعداد الجالية المسلمة المقيمة في إسبانيا, و التي قاربت المليوني شخص, برز إلى واجهة النقاش في السنوات الأخيرة، موضوع التمثيل السياسي لهذه الجالية المهمة داخل المجتمع الإسباني، خصوصاً مع ارتفاع النقاشات المتعلقة بالهجرة والهوية والدين في أوروبا عامة. وبينما يعتقد البعض أن المسلمين لا يملكون أي حضور سياسي منظم داخل إسبانيا، ظهرت قبل سنوات تجربة سياسية أثارت الكثير من الجدل والفضول، وهي تجربة حزب PRUNE الذي اعتبره الإعلام الإسباني أول حزب ذي مرجعية إسلامية في البلاد.

ورغم أن الحزب لم يحقق نجاحاً انتخابياً كبيراً، إلا أن مجرد ظهوره فتح باباً واسعاً للنقاش حول علاقة المسلمين بالسياسة الإسبانية، وإمكانية تأسيس أحزاب تستلهم قيمها من الإسلام داخل دولة أوروبية علمانية مثل إسبانيا.

تأسس حزب PRUNE سنة 2009 بمدينة غرناطة، جنوب إسبانيا, و هي المدينة التي تحمل رمزية تاريخية كبيرة مرتبطة بالحضارة الإسلامية في الأندلس. وقد جاء تأسيس الحزب على يد الصحفي والكاتب المغربي الأصل مصطفى بكاش العمري، الذي كان معروفاً بنشاطه داخل أوساط الجالية المسلمة في إسبانيا.

الحزب حمل اسم “Partido Renacimiento y Unión de España” أي “حزب النهضة والوحدة الإسبانية”، وهو اسم حاول من خلاله مؤسسوه تقديم صورة مفادها أن المشروع لا يتعلق فقط بالمسلمين، بل بفكرة “النهضة الأخلاقية” والتعايش داخل المجتمع الإسباني.

إقرأ أيضا

ومنذ البداية، أكد الحزب أنه يحترم الدستور الإسباني والقوانين الديمقراطية، وأنه لا يسعى إلى فرض الشريعة الإسلامية أو تغيير النظام السياسي في البلاد، بل يعتبر أن الإسلام يمثل بالنسبة له مرجعية أخلاقية وقيمية يمكن أن تساهم في معالجة بعض المشاكل الاجتماعية والأخلاقية داخل المجتمع.

ظهور حزب مرتبط بالإسلام داخل دولة أوروبية مثل إسبانيا كان كافياً لخلق ضجة إعلامية كبيرة، خاصة في فترة كانت أوروبا تعيش فيها توتراً متزايداً حول قضايا الإرهاب والهجرة والتطرف. غير أن بعض وسائل الإعلام اليمينية قدمت الحزب على أنه “حزب إسلامي خطير”، بينما رأى آخرون أنه مجرد تجربة سياسية صغيرة لا تختلف كثيراً عن الأحزاب ذات المرجعية المسيحية الموجودة في عدة دول أوروبية.

الجدل ازداد أيضاً بسبب تخوف جزء من المجتمع الإسباني من خلط الدين بالسياسة، حيث يرى كثير من الإسبان أن الأحزاب السياسية يجب أن تبقى بعيدة عن المرجعيات الدينية مهما كان نوعها. وفي المقابل، اعتبر بعض المسلمين أن من حقهم المشاركة السياسية والتعبير عن أفكارهم داخل الإطار الديمقراطي الإسباني مثل أي مكون آخر من مكونات المجتمع.

في الحقيقة، حزب PRUNE لم يكن يمثل غالبية المسلمين في إسبانيا، بل إن كثيراً من المسلمين لم يكونوا يعرفون بوجوده أصلاً. فالجالية المسلمة في إسبانيا متنوعة جداً من حيث الجنسيات والثقافات والتوجهات السياسية، ولذلك يصعب الحديث عن “تصويت إسلامي موحد” داخل البلاد.

و يميل معظم المسلمين الذين يملكون الجنسية الإسبانية للتصويت عادة للأحزاب الإسبانية التقليدية مثل الحزب الاشتراكي أو الحزب الشعبي أو أحزاب محلية وإقليمية، تماماً مثل باقي المواطنين الإسبان. ولهذا السبب بقي PRUNE حزباً صغيراً جداً دون قاعدة جماهيرية حقيقية.

بعد تأسيسه، أعلن الحزب نيته خوض الانتخابات المحلية في عدة مدن إسبانية تضم جاليات مسلمة مهمة مثل غرناطة ومرسية وأليكانتي وسرقسطة وجيرونا. ورغم التغطية الإعلامية الواسعة التي رافقت هذه الخطوة، إلا أن الحزب لم يتمكن من تحقيق نتائج مهمة، ولم يحصل على أي حضور فعلي داخل المؤسسات السياسية الإسبانية.

إقرأ أيضا

ومع مرور الوقت، بدأت أخبار الحزب تختفي تدريجياً من وسائل الإعلام، خصوصاً بعد وفاة مؤسسه مصطفى بكاش سنة 2011 إثر أزمة قلبية، وهو ما اعتبر ضربة قوية للمشروع بأكمله.

خلال السنوات الماضية، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات كثيرة تتحدث عن “حزب إسلامي قوي” في إسبانيا أو عن “اقتراب المسلمين من السيطرة السياسية”، لكن أغلب هذه المعلومات كانت مبالغاً فيها بشكل كبير. وتبقى الحقيقة أن حزب PRUNE هو مجرد تجربة محدودة جداً ولم يشكل أي قوة سياسية مؤثرة داخل البلاد.

ومع ذلك، تبقى قصة هذا الحزب مثيرة للاهتمام بالنسبة للكثير من المسلمين في إسبانيا، لأنها كانت أول محاولة واضحة لإنشاء حزب ذي مرجعية إسلامية داخل المشهد السياسي الإسباني الحديث، كما أنها طرحت أسئلة مهمة حول الاندماج والهوية والمشاركة السياسية للمسلمين داخل أوروبا.

و رغم مرور سنوات على ظهور الحزب، إلا أن اسمه ما يزال يعود أحياناً إلى النقاش، خاصة كلما تصاعد الحديث عن الهجرة أو الإسلام أو صعود اليمين المتطرف في أوروبا. كثير من المسلمين يتساءلون اليوم: هل يمكن فعلاً إنشاء حزب يمثل المسلمين في إسبانيا؟ وهل المجتمع الإسباني مستعد لتقبل مشروع سياسي بمرجعية إسلامية؟ أم أن الحل يبقى في مشاركة المسلمين داخل الأحزاب الإسبانية الكبرى بدل تأسيس أحزاب خاصة بهم؟

هذه الأسئلة لا تزال مطروحة إلى اليوم، وربما لهذا السبب ما تزال قصة حزب PRUNE تثير فضول الكثيرين داخل الجالية المسلمة في إسبانيا.

المصدر: وسائل إعلام إسبانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى